الراغب الأصفهاني

351

الذريعة إلى مكارم الشريعة

العالم وأصوله زائدا عما هو عليه أو ناقصا عنه لم يكن منتظما هذا النظام . ومن فضيلة العدل أن الجور الذي هو ضده لا يستتب إلا به فلو أن لصوصا تشارطوا فيما بينهم شرطا فلم يراعوا العدل فيه لم ينتظم أمرهم ، ومن فضله أن كل نفس سليمة تلتذ وترتاح بسماعه وتتألم من ضده ، ولذلك يستحسن الجائر عدل غيره إذا رآه أو سمع به ، وقد قيل العدل لا يخاف اللّه أي من حيث العدل لا خوف عليه ، ولحسن العدل والمساواة تتألم النفس من كل ما كان مركبا في العالم ليس له نظام مستقيم فيكره العرج والعور ويتشاءم به ، ولتحري المساواة جعل اللّه تعالى أعضاء الإنسان الواقعة في الأطراف زوجين اثنين وجعلها في الأوساط واحدا واحدا ، وللاقتداء بذلك تحرى النقاشون بإزاء كل منقوش في جانب منقوشا مثله في الجانب الآخر لئلا تكون الصور معوجة ، والعدل هو وسط أطرافه كلها جور فالجور هو الخروج عن الوسط بزيادة أو نقصان ولذلك صار الجور والخطأ بالإضافة إلى العدل والصواب من حيز ما لا نهاية له ، والعدل والصواب من حيز المتناهى وإدراكه صعب عسر ولصعوبة ذلك قال عليه السّلام : « استقيموا ولن تحصوا » « 1 » وتمدح سبحانه وتعالى فقال : وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً « 2 » تنبيها أنه هو المتحقق بوصف العدل والصواب من كل شيء وقد قال بعض الصوفية رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في المنام فقلت بلغني يا رسول اللّه أنك قلت : « شيبتني سورة هود وأخواتها » « 3 » فما الذي شيبك منها فقال قوله تعالى : فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ

--> ( 1 ) رواه ابن ماجة عن سالم بن أبي الجعد عن ثوبان ، وفي الزوائد رجاله ثقات أثبات إلا أن فيه انقطاعا بين سالم وثوبان ولكن أخرجه الدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق ثوبان متصلا ، ابن ماجة / الطهارة / 4 / حديث / 278 . ( 2 ) الجن / 28 . ( 3 ) الترمذي من حديث أبي حجيفة ، وله وللحاكم من حديث ابن عباس نحوه ، قال الترمذي / حسن ، وقال الحاكم صحيح علي شرط البخاري .